يقوم منهج الاستنارة على أصلٍ علمي راسخ، وهو أن النقد لا يُبنى على الانطباعات أو ردود الأفعال، وإنما على الدليل والبرهان، فلا إنكار بلا حجة، ولا إثبات بلا بينة. كما ينطلق من أصلٍ شرعي مقرر عند أهل العلم، وهو أن العبادات والشعائر توقيفية، فلا يُتقرب إلى الله بشيء إلا بدليل من الوحي، ولا تُستورد الممارسات التعبدية والفلسفات الروحية من الأمم الأخرى ثم تُضفى عليها الشرعية أو الحياد دون تحقيق وتأصيل.ومن هذا المنطلق، فإن دراسة اليوغا لا تكون بالنظر إلى صورتها المعاصرة المختزلة في بعض الحركات البدنية فحسب، بل بالنظر إلى حقيقتها التاريخية والفلسفية، وأصولها التي نشأت منها.
أولاً: الأصل الديني لليوغا:
اليوغا ليست في أصل نشأتها رياضة بدنية محايدة، وإنما منظومة روحية نشأت في البيئة الهندية القديمة، وترتبط بالهندوسية والبوذية والجاينية. وكلمة “يوغا” (Yoga) في اللغة السنسكريتية تعني الاتحاد أو الوصل، والمقصود بذلك الاتحاد بين الروح الفردية (آتمن) والروح الكونية (براهمان)، وهو مفهوم قائم على التصور العقدي الهندوسي. كما أن نظام اليوغا الكلاسيكي الذي دوّنه باتنجالي في كتاب “يوغا سوترا” يقوم على مراحل تنتهي إلى حالة “سمادهي”، وهي حالة الفناء والاندماج في المطلق، وهي غاية روحية عقدية، وليست مجرد غاية صحية أو رياضية. ومن هنا، فإن الحركات الجسدية وتمارين التنفس ليست مقصودة لذاتها، بل وُضعت أصلاً باعتبارها وسائل تهيئة للوصول إلى تلك الغايات الروحية.
ثانياً: موقف منهج الاستنارة من الأصول العقدية للممارسات:
منهج الاستنارة لا يبني أحكامه على مجرد الأسماء أو الأصول التاريخية وحدها، وإنما ينظر إلى الحقائق والمقاصد واللوازم. فإذا ثبت أن ممارسة ما نشأت بوصفها شعيرة أو طريقاً تعبدياً، فإن الأصل فيها أن تُدرس من جهة معناها ووظيفتها، لا من جهة صورتها الظاهرة فقط. والشريعة قررت أن العبادات توقيفية، قال تعالى:﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقال سبحانه:﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. فما كان طريقاً تعبدياً أو مبنياً على فلسفة روحية مخالفة للتوحيد، فلا يُقبل إدخاله في حياة المسلم تحت أي مسمى، لأن العبادات لا تُستمد إلا من الوحي.
ثالثاً: التأمل والمانترا في اليوغا:
التأمل في الفلسفة اليوغية ليس مجرد استرخاء ذهني أو تهدئة للأعصاب، بل يرتبط غالباً بترديد “المانترا”، وهي ألفاظ سنسكريتية ذات دلالات دينية، ومن أشهرها لفظ “أوم” (OM)، الذي يعد في الفكر الهندوسي الصوت المقدس المرتبط بأصل الكون. ومنهج الاستنارة يقرر أن الألفاظ والشعائر التي تحمل مضامين تعبدية لا تُعامل باعتبارها ألفاظاً محايدة، بل تُفهم في سياقها العقدي، لأن الشرع لم يكتف بالنظر إلى الصور، بل اعتبر المعاني والمقاصد.
رابعاً: الأدلة الشرعية ومنهج الاستدلال:
1- الكتاب: قال تعالى:﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. وقال سبحانه:﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وهاتان الآيتان تؤكدان اختصاص الشعائر والنسك بالله تعالى، وأن ما كان من طرق التعبد المخالفة فليس من دين الإسلام.
2- السنة: قال النبي ﷺ:«من تشبه بقوم فهو منهم» رواه أبو داود. وهو أصل في النهي عن التشبه بالكفار فيما يختص بشعائرهم وعباداتهم.
3- الإجماع: أجمع العلماء على تحريم التشبه بغير المسلمين فيما كان من خصائص أديانهم وشعائرهم التعبدية، وإن وقع الخلاف في بعض الصور التي زالت عنها الخصوصية الدينية.
4- القياس: إذا ثبت أن بعض الوضعيات وضعت أصلاً لتعظيم الشمس أو كانت جزءاً من طقوس تعبدية، فإنها تقاس على كل هيئة تعبدية صرفت لغير الله، لأن العبرة بالمقاصد والأصول.
5- الاستصحاب: الأصل في العبادات المنع حتى يرد الدليل المشروع، فلا يشرع للناس طريق تعبدي أو وسيلة روحية جديدة إلا بوحي من الله تعالى.
6- سد الذرائع: حتى مع افتراض إمكان تجريد بعض الحركات من مضمونها العقدي، فإن ارتباطها بفلسفات روحية مخالفة يجعل الاحتياط وسد الذريعة معتبراً، خاصة مع انتشار الدعوات التي تقدم اليوغا بوصفها طريقاً للوعي الكوني والطاقة والتوازن الروحي.
خامساً: الإنصاف العلمي في محل النزاع:
ومنهج الاستنارة يرفض التهويل كما يرفض التهوين، ولذلك لا ينكر وجود خلاف معاصر في المسألة.فمن العلماء من منع اليوغا مطلقاً، باعتبارها منظومة دينية لا تنفك عن أصلها. ومنهم من فرّق بين الفلسفة اليوغية وبين بعض التمارين الجسدية المجردة، فإذا نزعت منها الأذكار الوثنية والمقاصد التعبدية، وصارت مجرد تمارين إطالة لا يُقصد بها شيء من ذلك، نظر إليها باعتبارها من جنس الرياضات البدنية. غير أن هذا القول نفسه يقر بصعوبة التجريد الكامل، وبأن السلامة في ترك هذا الاسم وما ارتبط به من فلسفات ومضامين.
الخاتمة:
منهج الاستنارة لا يبني موقفه على العداء للثقافات، ولا على رفض كل ما جاء من غير المسلمين، وإنما يقوم على ميزان الدليل، وعلى أصل التوقيف في العبادات، وتمييز النافع المباح عن الممارسات ذات الجذور التعبدية المخالفة. وعليه، فإن اليوغا بوصفها منظومة روحية ذات أصول عقدية غير إسلامية تستوجب النقد والاحتراز، ولا يصح التعامل معها باعتبارها ممارسة محايدة دون نظر إلى حقيقتها وأصولها. أما ما يحتاجه الإنسان من راحة النفس وسكينة القلب، فقد دل الوحي على طريقه، قال تعالى:﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. وكما أن الجسد يجد حاجته في الرياضة المباحة، فإن الروح لا تصل إلى الطمأنينة الحقيقية إلا بما شرعه الله، إذ العبادات توقيفية، والهداية لا تُطلب إلا من مصدرها الذي أنزله الله لعباده.