حكم الاسترقاء؟

يُعدّ باب الاسترقاء من أهم أبواب الرقية الشرعية، لكثرة ما يقع فيه من خلط وانحرافات في الفهم والممارسة، خاصة مع انتشار الأقوال المرسلة التي لا تقوم على دليل صحيح ولا فهم راسخ.

والرقية عبادة ثابتة بالنصوص، لها ضوابط وأحكام، ولا تُترك للأفهام المتقلبة.

لذا كان من لوازم البناء العلمي بيان حقيقة الاسترقاء، ومراتبه، وأدلته الشرعية، والتمييز بين المشروع والمكروه، والرد على المفاهيم الخاطئة التي شاعت في هذا الباب.

تعريفه:

الاسترقاء: طلب الرقية من غيرك.

وهو نوعان:

الأول: الاسترقاء الوقائي: أن يطلب الشخص الرقية قبل وقوع المرض بقصد الوقاية.

حكمه: مكروه؛ لأنه ينافي كمال التوكل، ويدخل في باب سؤال الناس بغير حاجة.

الثاني: الاسترقاء العلاجي: طلب الرقية بعد وقوع المرض أو الإصابة.

حكمه: جائز باتفاق المذاهب الأربعة: الحنفية، المالكية، الشافعية، الحنابلة، وحُكي الإجماع على ذلك؛ لأنه من باب التداوي المشروع، ورفع الضرر.

الأدلة من السنة:

□ حديث أنس رضي الله عنه« رُخِّصَ في الحُمَةِ، والنملة، والعين».

□ حديث جابر رضي الله عنه في قصة خاله الذي كان يرقي من العقرب… فقال النبي ﷺ:« من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل».

□ حديث آل عمرو بن حزم فعرضوا رقيتهم على النبي ﷺ فقال: « ما أرى بأسًا؛ من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه».

□ حديث عوف بن مالك قال: « كنا نرقي في الجاهلية…» فقال ﷺ: « اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك».

□ رقية أنس لثابت وقال:« اللهم رب الناس، مُذهب البأس… شفاءً لا يغادر سقمًا».

الضوابط الشرعية للاسترقاء العلاجي:

1. أن يكون بكلام مفهوم.

2. ألا يتضمن شركًا أو استعانة محرمة.

3. أن يكون بالقرآن أو بالأدعية النبوية أو بكلام مباح.

4. الاعتقاد بأنه سبب، وأن الشفاء بيد الله.

5. ألا يشتمل على طلاسم، أحجبة، عزائم شيطانية، أو وسائل محرمة.

لماذا كان الوقائي مكروه والعلاجي جائز؟

● الوقائي مكروه لأنه سؤال بغير حاجة ويضعف مقام التوكل.

● العلاجي جائز لأنه رفع ضرر واقع، والتداوي مشروع.

فضل ترك الاسترقاء اختياراً:

من تركه توكّلاً فهو داخل في السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب. وتركه فضيلة، وليس واجباً.

ماذا يقال لمن ينكرون الاسترقاء جملةً ويصرّون على عبارة: “ارْقِ نفسَكَ بنفسِك”؟

يُقال لهم: هذا الطرح غير مقبول نقلاً ولا عقلاً ولا واقعاً.

فقد خلطتم بين البرنامج العلاجي والبرنامج الوقائي.

فالرقية علاج يُطلب عند وقوع المرض، أما التحصين فهو وقاية قبل المرض.

والمصاب لا يملك القدرة الذهنية ولا النفسية ولا الروحية التي تمكنه من القيام بالعلاج بنفسه، ولا يُطلب من المريض أصلاً أن يسترقِي وقايةً.

وبهذا يظهر أن قاعدة “ارْقِ نفسَكَ” ليست منهجاً شرعياً، ولا فهماً علمياً، ولا تطبيقاً واقعياً.

أولاً: الردّ نقلاً:

1. النبي ﷺ نفسه سُحر، ولم يُكلّف بأن يرقي نفسه، بل: نزل ملكان من السماء، ودلّاه على مكان السحر، وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بفكّه، ولو كانت “ارْقِ نفسك” هي القاعدة الشرعية، لما وكّل الأمر لغيره.

2. الرقية ثابتة بالسنة القولية والفعلية والتقريرية: النبي ﷺ رقى، ورُقي، وأقر الرقية، كما في حديث لديغ العقرب؛ ومَن خالف ذلك فقد خالف السنة بأبوابها الثلاثة.

ثانيًا: الردّ عقلًا:

1. المرض الروحي ليس بهذه البساطة ليُقال للمصاب: «ارْقِ نفسك».

المصاب في الغالب: منهك، تائه التركيز، ضعيف القدرة على المواجهة، وقد يغلب عليه العارض.

2. هل يستطيع المصاب استنطاق العارض وإخراجه؟ هذا غير واقعي؛ لأنه في حال تشبه المكتوف المحكم كما وصفه بعض العلماء.

3. قياس بديهي: الجراح الماهر لا يستطيع إجراء عملية جراحية لنفسه؛لأنه في موضع الخضوع لا موضع القوة. فكيف يُؤمر المصاب بما لا يقدر عليه؟

فالرقية علاج، والعلاج يحتاج من هو خارج دائرة الألم والتأثر.