التشخيص وأهميته

التشخيص هو البوابة التي تفتح طريق العلاج، وهو الفاصل بين الوهم واليقين، بين الاجتهاد الصحيح والتخبط في الظنون.
فليس كل من ضاق صدره محسود، ولا كل من تألم بطنه مسحور، ولا كل من صدع رأسه معيون.

كم من مريض ظن أن علته روحانية، فإذا هي عضوية بحتة، وكم من مبتلى ظن أن مرضه جسدي، فإذا أصل الداء من أثر عين أو حسد أو سحر دفين.

إنّ صعوبة تشخيص المرض الروحي تنبع من أمرين اثنين:
أولهما: أنّه غيبيّ الأصل، لا تُكشف حقيقته بأشعةٍ ولا تُظهره تحاليل مخبرية، فلا ميكروسكوب يراه ولا جهاز يرصد أثره.
وثانيهما: تشابه أعراضه مع ما هو عضويّ أو نفسيّ، فالمسّ قد يورث قلقاً واضطراباً في النوم، كما تفعل نوبات القلق النفسي. والسحر قد يُظهر أعراضاً هضمية وأوجاعاً متفرقة، كما في القولون العصبي. والحسد قد يسبب فتوراً وكسلاً وانقباضاً في الصدر، كما تفعل نوبات الاكتئاب.

وهنا تتجلى أهمية الراقي المختصّ، صاحب الفقه والبصيرة، الذي يُشخّص بالدلائل والمعطيات، لا بالعاطفة والانطباعات.
لا يبني حكمه على رواية مريضٍ متأثرٍ أو أمٍّ قلقةٍ على ولدها، ولا على إخفاقٍ دراسيٍّ أو مشكلةٍ عائلية، بل ينظر إلى مجمل الحال:
كيف بدأ المرض؟ كيف يتطور؟ ما المواقف التي تثيره أو تهدئه؟
ثم يوازن بين الطبّ والرقية، بين العقل والنقل، فلا يُقصي الطب ولا يُغفل الغيب.

فالتشخيص الصحيح ليس في ملاحقة الأعراض، بل في فهم المعطيات.
ومن أخطأ التشخيص، أخطأ العلاج، وأضاع على المريض طريق الشفاء.