أيها الراقي

إن كنت قد أقامك الله على أبواب المرضى، وفتح لك طريق الوقوف على آلامهم، فتيقّن أن هذا اصطفاء لا يُعطى لكل أحد.

ليست الرقية حِرفة ولا مجرد مهارة، بل عبادة تُرفع، ومسؤولية تحتاج قلباً حاضراً ونيّة صادقة.

أنت في مقامٍ لا يبلغه إلا من ساقه الله رحمةً بعباده، وفتح له باباً من أبواب الهداية والتوفيق ليكون سبباً في التخفيف عن الخلق، فاحمدِ اللهَ على أن اختارك لهذه المهمة، واحتسب كل خطوة تخطوها إلى مريض، واعلم أن وقوفك مع الناس معونةٌ يكتبها الله لك قبل أن يرونها هم.

واعرف أن توفيقك في هذا الطريق ليس قوة شخصية، بل تأييد رباني يفتح لك أبواب الخير، ويجعلك مفتاحاً للنفع، مغلاقاً للشر.

وتذكّر دائماً أنك في كل زيارة لمريض إنما تزور الله، كما في الحديث القدسي الذي رواه مسلم:« إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ يومَ القيامةِ: يا ابنَ آدمَ، مرضتُ فلم تَعُدْني. فيقولُ: يا ربِّ، كيف أعودُك وأنت ربُّ العالمين؟ فيقولُ: أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مرض، فلم تَعُدْه؟ أمَا علمتَ أنك لو عُدْتَه، لوجدتَني عنده». هذه ليست مجرد زيارة أو جلسة رقية، بل عبادةٌ يجد العبد فيها ربَّه حيث لا يظن.

واعلم أن سعيك في قضاء حاجة أخيك عند الله أعظم من عبادة شهر كامل في مسجد رسول الله ﷺ، كما قال ﷺ: «ولأن أمشي مع أخي في حاجة، أحبُّ إليّ من أن أعتكفَ في هذا المسجدِ شهراً».

فالعمل المتعدّي أحب إلى الله من العمل القاصر، وأثره أبقى في الأرض وفي السماء. وميزانك في هذا الطريق قول النبي ﷺ: «خيرُ الناسِ أنفعُهم للناس». فكلما ازداد نفعك، ازداد قدرك، وارتفع عملك، وقُبل سعيك، وكان لك من باب الخير نصيب لا ينقطع.

أيها الراقي.. كن راقياً في خُلقك قبل رُقيتك، واذكر أنك على ثغرٍ من ثغور الدين، تُمثّل الرقية وأهلها، فاحذر أن تكون سبباً في تشويه هذا الباب الشريف الذي دخله الدخلاء واستغله الطامعون.

كم من مدّعٍ للرقية جعلها وسيلة للكسب أو للهوى، تارة باسم “العلاج” وتارة ”بالخلطات” و”البرامج الخاصة”، حتى غلبت التجارة على النية، وضاع المقصود الشرعي بين دعاوى الرحمة وأطماع الدنيا.

تذكّر أنك تتعامل مع قلوبٍ مكلومة، وأرواحٍ مثقلة بالهموم، فكن رفيقاً لا متسلّطاً، وناصحاً لا متاجراً.

اصبر على أذى المراجعين، وتحمّل حدّة كلامهم، فرب كلمةٍ خرجت من ألمٍ لا من سوء أدب.

واعلم أن الناس اليوم أكثر وعياً، فلا يخفى عليهم صدقك من تكلّفك، ولا إخلاصك من حرصك على المال.

فكن راقياً بسمتك، نبيلاً في نيتك، صادقاً في عملك.. لتكون بحقّ راقياً يرفع الله به البلاء، لا ممن زادوا البلاء بلاءً.