الاختلاف في طرق الرقية الشرعية:
أصل المسألة: لماذا يختلف الرقاة؟
أولاً: الرقية الشرعية بابٌ دلت عليه النصوص بوضوح من حيث المشروعية.
لكن تفاصيل التطبيق جاءت قليلة، وهذا يفتح باب الاجتهاد، النبي ﷺ أذن بالرقى، والعلماء وضعوا شروطاً عامة محددة :
1. أن تكون بكلام الله أو بكلام مفهوم لا شرك فيه.
2. أن تكون بلسان عربي أو بما يُفهم معناه.
3. ألا يعتقد الراقي أن الرقية تؤثر بذاتها.
هذه الشروط تفتح مساحة واسعة للتجربة وطريقة الأداء، لذلك طبيعي أن ترى عند ذهابك إلى مائة راقٍ، وجدت مائة طريقة، وكلهم قد يكونون على صواب ما داموا داخل الأصول الشرعية.
ثانياً: باب الرقية واسع لأنه يدخل في باب الطب.
الرقية ليست عبادة محضة فقط، بل شقّ كبير منها تابع للطب والتداوي، والطب مبني على: التجارب النافعة الخبرة العملية اكتشاف الأنفع للمريض والنبي ﷺ قال: « تداووا عباد الله »، وجعل باب الطب مفتوحاً للاجتهاد والتجربة. ولذلك: الراقي المخضرم مع السنين يعرف ماذا يقرأ، متى يرفع صوته، ومتى يغيّره، ومتى يكتفي بالقراءة ومتى يضيف ماء أو زيت أو سدر ومتى يقصر الجلسة أو يمدّها كل هذه ليست عبادات توقيفية، بل وسائل علاجية.
ثالثاً: أنواع الاختلاف بين الرقاة:
أولًا: اختلاف في طريقة الأداء (اختلاف مباح).
وهذا الذي تحصل فيه مائة طريقة لمائة راقٍ. أمثلة: من يبدأ بالفاتحة من يبدأ بآية الكرسي ومن يقرأ سورة البقرة كاملة، ومن يركز على آيات السحر، ومن يقرأ بصوت عالٍ جداً ومن يقرأ بصوت متوسط ومن ينفث كثيرًا ومن ينفث قليلاً ومن يستخدم الماء ومن لا يستخدم الماء ومن يرقي جماعياً ومن يرقي فردياً كل هذا سائغ ما دام منضبطاً بالشروط الشرعية.
ثانيًا: اختلاف في الوسائل العلاجية (التجارب) هذا شقّ طبي، ولذلك تختلف الأدوات:
ماء مقرؤ عليه، زيت الزيتون، السدر، الحبة السوداء، العسل، الملح، صوت القارئ والجلسة الطويلة أو القصيرة، أسلوب تهدئة المريض، تكرار الآيات، هذه الأمور لا تُعدّ من البدع لأنها ليست عبادات، هي وسائل كالكمادات أو المسكنات في الطب.
ثالثًا: اختلاف بسبب بيئة الراقي وخبرته.
الراقي في الخليج يختلف عن الراقي في السودان أو المغرب أو تشاد. لماذا؟ لأن البيئة تعطيه خبرة معينة: طبيعة الحالات شيوع نوع من أنواع المرض الروحي، مدى تقبّل الناس للوسائل، لكن هذا الاختلاف لا يقدح في صحة العمل.
رابعاً: متى يكون الاختلاف غير سائغ؟ ومتى يتحول الاختلاف إلى بدعة أو ممارسات محرمة؟
عندما يدخل الراقي في:
١) التوسّع بدعوى الكشف أو العلم بالغيب مثل: “أنا أعرف ما فيك بدون أن تتكلم.” “أرى الجن واقف على كتفك.” “جابوني الجن وأخبروني.” هذا دجل وليس اختلافاً مباحاً.
٢) استعمال ألفاظ غير مفهومة أو طلاسم.
الرقية يجب أن تكون بكلام عربي مفهوم أو قرآن. ما سوى ذلك مرفوض.
٣) الغلو في الوسائل حتى تصبح “طقوسًا” مثال: يقول للمريض يجب الوقوف باتجاه معين. أو وقت معين. أو وضع معين. هذا لا أصل له.
٤) إدخال الجن في العملية مثل: “معي جن مسلم يساعدني.” “هذا خادم للرقية.” “نتعاون مع الجن لطرد الجن.”هذا محرم.
٥) الإيذاء أو الضرب أو الصراخ المبالغ فيه.
الرقية ليست تعذيباً، ما زاد على الحاجة يعتبر تعدٍّ.
خامساً: القاعدة في اختلاف طرق الرقية:
■ كل ما كان من جنس التجربة والطب وثبت نفعه يعتبر جائز ومباح.
■ وكل ما كان من جنس الذكر والعبادة يعتبر توقيفي ولا يجوز تغييره.
سادساً: لماذا قد ينجح راقٍ وتفشل طريقة راقٍ آخر؟
لأسباب كثيرة:
1. اختلاف بركة قراءة الشخص (كما قال النبي ﷺ: «إن منكم منفرين» وقال عن أبي سعيد «وما أدراك أنها رقية»).
2. اختلاف حالة المريض.
3. اختلاف نوع المرض الروحي (عين، سحر، مس).
4. اختلاف التجربة الطبية أو النفسية للراقي.
5. تفاعل المريض وثقته.
6. الاستمرارية والانضباط.
ليس كل اختلاف معناه أن هذا صح وذاك خطأ.
سابعاً: مناطق الاجتهاد الواسعة في الرقية منها:
اختيار الآيات، وتكرار الآيات، ومدة الجلسة، وقوة الصوت، والنفث والمسح، والتركيز على موضع الألم أو لا، وإضافة وسائل مساعدة (ماء، زيت، سدر)، والبرنامج المنزلي، والمدة بين الجلسات، والدمج مع التداوي الطبي، كلها من باب الطب والخبرة.
ثامناً: مناطق التوقيف التي لا يُسمح بالاختلاف فيها.
1. تحريم الطلاسم.
2. تحريم الاستعانة بالجن.
3. عدم دعاء غير الله.
4. عدم نسبة التأثير للراقي.
5. عدم اختراع أدعية غير ثابتة على أنها “مجرَّبة” كالوحي.
6. عدم إضافة طقوس تعبدية مبتدعة.
طرق الرقية الشرعية تختلف باختلاف اجتهاد الرقاة، لأن النصوص الواردة جاءت بأصل المشروعية دون تفصيل الطريقة، ولأن الرقية داخلة في التداوي الذي أساسه التجربة. فما كان من جنس الطب فبابه مفتوح، وما كان من جنس العبادة فبابه مغلق. هذه القاعدة تختصر الباب كله.
خلاصة:
الرقية الشرعية ميدان واسع، تتداخل فيه النصوص الشرعية مع الخبرة الطبية، لذلك اختلفت طرق الرقاة وتنوعت مدارسهم، وليس هذا من التناقض بل من سعة الشريعة.
فأصل الرقية ثابت لا يتغير، وأما وسائلها وأساليبها فهي باجتهاد راقٍ خبير، ما دام ملتزماً بالأصول، بعيداً عن البدع، محافظاً على التوحيد، مستنداً إلى التجربة النافعة. فإذا ضبط الراقي نفسه بهذه الضوابط، واتقى الله في المريض، كانت طريقته صحيحة وإن خالفت غيره.